القائمة الرئيسية

الصفحات

ولائم العزاء في الثقافة المغربية بين طغيان المظاهر و غياب التكافل الاجتماعي.



كم من حبيب ودعناه وكم من قريب دفناه وكم ممن نزلت به سكرات الموت عايناه، فتراه ينظر إلى أهله وأولاده وأحبابه و هم ينظرون إليه فيسمعهم ولا ينطق وينظر إليهم ولا يفعل وينظرون إليه وهم عاجزون عن إنقاذه :

 ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الواقعة: 83 - 85]

 ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 19 - 22]. 
صدق الله العظيم. 

 للأسف لم نعد نتعظ  بهادم اللذات  وأصبحنا  شعب المظاهر الخداعة حيث الجنائز تقام بواسطة ممولي الحفلات ببدخ و تبذير كبيرين من طرف العائلة حتى تخال أن الله سيغفر لميتنا  حسب القدر المالي الذي أنفقناه  في الطعام بعد وفاة الهالك مع انتقاء الحاضرين، ليس حسب الحاجة إلى الطعام بل بالقربى، الجوار  و رد دين سابق  (عراضة قديمة). 

والغريب في الأمر أن العائلة كانت أثناء مرض الهالك، لا تقوى حتى على دفع ثمن بنزين سيارة الإسعاف حيث يلجؤون إلى المستشارين الجامعيين  (وهذا وعد بالتصويت لهم ) أو  معارف رؤساء الجماعات من أجل الاستفادة المجانية من النقل الصحي .
 نفس الشي بالنسبة لدفع تعرفة الطبيب و شراء الأدوية والقيام بالعمليات الجراحية التي تتطلبها الحالة الصحية لمريضهم. 

فبعد الموت تبدأ الإجراءات المارطونية :

1) إخبار جميع العائلة في حينه حتى يتمكن القاطنون بعيدا من حضور مراسيم الدفن مع الأخذ بعين الاعتبار ضغوط الناس بقولهم  (إكرام الميت دفنه)

2) البحث عن الطبيب الذي سيعاين الجثة للتأكد من أن الوفاة كانت طبيعية بناء على فحص دقيق و معاينة الملف الطبي  إن توفر  لمعرفة السوابق الطبية وهل لها علاقة بالوفاة وكذا استجواب العائلة. مع إخبار سائق سيارة نقل الأموات التابعة للبلدية بعنوان الوفاة، وقت و مكان الدفن.  

3) البحث عن من سيحضر القبر و التنقل إلى المقبرة للبحث عن مكان قريب من أحد أفراد العائلة. (التجمع العائلي:تسهيل الزيارة).

4) يجب أن تكون بطارية جوالك مشحونة على الدوام لتوالي المكالمات الهاتفية. 

5) الإسراع إلى السوق لشراء ما يلزم لتحضير الطعام و اقتناء الحلويات والبحث عن ممول للحفلات.

6) مباشرة بعد الدفن يعقد اجتماع عائلي لتحديد لائحة المدعوين في الليلة الأولى والثانية والثالثة، وهنا نجد من لا يتقبل أن يكون من المدعوين لليوم الثاني أو الثالث، كأننا في إقصائيات قارية أو تصنيفية لبني البشر. 

 خلال حفل العشاء لأنه لم يعد "صدقة" ، فزيادة على توزيع  الشاي المرافق ب07 أنواع من الحلويات الغالية الثمن، التي يشكل توزيعها  فاصل بين قرائة القرآن من طرف مجموعة من أئمة المساجد بعوض، يترأسهم الإمام الذي وقعت الوفاة في دائرة مسجده ، و أناشيد دينية يتلوها مسمعون متفق معهم على ثمن هذه الخدمة مسبقا، ليأتي ما هو أهم وأدسم ويتعلق الأمر بالأكل حيث نجد على الأقل وجبة العشاء  تتكون على الأقل من طبقين أساسيين :

1) لكل طاولة من 8 إلى عشرة اشخاص: صحن من نوع  الطاووس، الحجم الكبير  تتوسطه  3 إلى 04 دجاجات مقليات في الزيت،  يعلوه زيتون أخضر و مرصع بالهريسة بلونيها الأخضر و الأحمر، يتمحور بينهما  ليمون حامض مصير ،بيض مسلوق أو لوز مقلي.
الدجاج يكون محاطا بصلصة خاصة  مالحة و قطع من كبد  نفس الطائر وهو ما يسمى ب "التدغميرة "

2)صحن آخر من نفس الحجم والنوع مليء بقطع كبيرة من لحم الثور،  مخضر بالبرقوق، المشمش المجفف، أو شرائح الانناس المصبر. 
 أو صحن كبير من الكسكس بلحم الغنم أو الدجاج ، مخضر: بالحمص، الجزر، اللفتة حسب المناطق و في بعض الأحيان بالزبيب والبصل المعسل وهو ما يسمى ب "التفايا "

وفي الأخير طابق من الفواكه الموسمية على الأقل 3 أنواع. 

دائما كنت أود أن أطرح سؤال على الأئمة الذين  يحضرون  معنا في مثل هذه الولائم، و يدعون على المنفق بعشرة حسنة عن كل حبة طعام، عن الطعام الذي نأكله بهذه المناسبات هل أكلناه برضى اليتامى الصغار أبناء الهالك ؟ 

 إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) سورة النساء.

*******

يجب القطع مع هذه العادة المكلفة والوقوف إلى جانب العائلة المكلومة والحلول مكانها بصفة جماعية :  عائلة،جيران ومعارف من حيث التكفل بالأشخاص الذين يأتون من أجل تقديم واجب العزاء.
قديما كان الأجداد يمنعون الأسرة المكلومة إيقاد الكانون لمدة ثلاثة أيام.

بقلم إدريس ايت حدو. 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات